طنجة، العاصمة المستقبلية للرياضة والاقتصاد؟ مكاسب المغرب بين كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030
يمثل استقبال المغرب للأحداث الرياضية الدولية الكبرى نقطة تحول تاريخية في مسار التنمية الوطنية الشاملة. لم تعد الرياضة مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت رافعة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل البنية التحتية، وتعزيز مكانة المملكة دوليًا، ودفع الاقتصاد الوطني نحو مستويات نمو غير مسبوقة. ويُعد النجاح الحالي للمغرب في التحضير لكأس إفريقيا للأمم (CAN 2025) بمثابة «اختبار حقيقي على أرض الواقع» قبل بلوغ الهدف الأسمى، وهو التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال. ولا يقتصر هذا التوجه على تجديد الملاعب فقط، بل يشمل تحديثًا جذريًا لقطاعات النقل، والرقمنة، والخدمات السياحية، والأمن. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على القطاع العقاري، خاصة في مدينة طنجة، التي تشهد ضغطًا استثنائيًا على أسواق الإيجار والبيع نتيجة التدفق الكبير للاستثمارات والأطر الأجنبية.
المحركات الاقتصادية والتحديات السياحية لكأس إفريقيا 2025
تعمل كأس إفريقيا للأمم 2025 كمسرّع اقتصادي فوري. تشير التقديرات الأولية إلى عائدات إضافية تبلغ حوالي 12 مليار درهم، مدفوعة باستقبال نحو مليون زائر متوقع. هذا التدفق البشري الكبير، الذي يشمل المشجعين والصحفيين والرعاة، يخلق ديناميكية قوية داخل النسيج الاقتصادي، مما يعزز إيرادات القطاعات الحيوية مثل الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة المحلية.
استضافة هذا الحدث تضع المغرب تحت الأضواء الإعلامية العالمية، معززة صورته كوجهة سياحية رائدة. في عام 2025، سجلت البلاد أرقامًا قياسية مع استقبال نحو 20 مليون سائح دولي، أي بزيادة قدرها 14% مقارنة بالعام السابق، بفضل خارطة طريق السياحة 2023-2026.
| المؤشر السياحي والاقتصادي | القيمة المسجلة/المتوقعة في 2025 | الهدف بحلول عام 2030 |
| عدد الوافدين السياحيين | 20 مليون سائح | 26 مليون سائح |
| الإيرادات المالية المباشرة لكأس إفريقيا | 12 مليار درهم | – |
| إجمالي الإيرادات السياحية | 124 مليار درهم (نهاية نوفمبر 2025) | 120 مليار درهم (الإيرادات السنوية المستدامة) |
| فرص العمل المرتبطة بكأس العالم | – | آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة |
بعيدًا عن الأثر المالي المباشر، تدعم كأس إفريقيا للأمم ظهور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (المؤسسات الصغيرة والمتوسطة) من خلال منحها الوصول إلى الأسواق العامة المتعلقة بالمعدات والخدمات، مما يضمن نموًا مستدامًا يتجاوز المنافسة.
طنجة في قلب التغيير: البنية التحتية والنهضة الحضرية
تشهد مدينة طنجة تحولًا جذريًا لتصبح مركزًا دوليًا قادرًا على استيعاب ملايين السياح والمشجعين. تشمل التحضيرات لعامي 2025 و2030 سلسلة من المشاريع الهيكلية التي تعيد تعريف المشهد الحضري للمدينة.
ثورة النقل وربط اللوجستيات
لدعم التدفق المتوقع، يجري حاليًا تنفيذ مشاريع كبرى:
تطوير مطار طنجة ابن بطوطة: تم تخصيص ميزانية تزيد عن 3.27 مليار درهم لتوسيعه وبناء مبنى جديد، بهدف استيعاب أكثر من 7 ملايين مسافر سنويًا.
مشروع ترام طنجة: يخطط هذا المشروع الاستراتيجي لشبكة مكونة من ثلاثة خطوط تمتد على 25 إلى 30 كم بتكلفة تقديرية تبلغ 8.4 مليار درهم.
توسيع شبكة الطرق والأنفاق: بناء أنفاق تحت الأرض لتسهيل حركة المرور بالقرب من مدينة الرياضة، وتوسيع شارع مولاي رشيد، ومشروع طريق سريع يربط طنجة بتطوان لتعزيز التكامل الإقليمي.
مشروع التلفريك: يجري حاليًا إجراء الدراسات التقنية لنظام نقل بحبال قادر على نقل 2000 راكب في الساعة، يربط الميناء بالمدينة القديمة.
الازدهار العقاري في طنجة: تحليل سوق الإيجار والبيع
أدى الاستعداد لهذه الأحداث الرياضية، إلى جانب تدفق الاستثمارات الصناعية مثل مشروع «طنجة تك» والمناطق الحرة، إلى خلق ضغط غير مسبوق على سوق العقارات. تشهد طنجة اليوم «حمّى ذهب عقارية» حقيقية، مع ارتفاع الأسعار مما يخلق فرص استثمارية هائلة.
طلب قوي على الإيجار: من المساكن العائلية إلى الاستثمار السياحي
يشهد سوق الإيجار في طنجة ارتفاعًا يوصف بأنه "جنوني"، حيث لم تعد المساكن المتاحة كافية لتلبية الطلب. ينتج هذا الارتفاع عن عدة عوامل:
تدفق الأطر الأجنبية: أدى وصول عدد كبير من المهندسين والخبراء الأجانب، لا سيما الصينيين للمشاريع الصناعية، إلى زيادة الضغط على المساكن الفاخرة والإيجارات طويلة الأجل.
ظاهرة الإيجار قصير المدة (Airbnb): يتجه العديد من الملاك إلى المنصات الرقمية لتأجير العقارات للسياح والمشجعين، مما يوفر عائدًا أعلى بكثير من الإيجار الشهري التقليدي، وهو ما يقلل العرض للسكان الدائمين.
المشاريع الرياضية واللوجستية: الحاجة المستمرة لإيواء آلاف العمال لمشاريع الملاعب والطرق تحافظ على طلب مستمر في مناطق كانت في السابق هامشية.
ارتفعت أسعار الإيجارات في الأحياء الشعبية من 1,500 درهم إلى أكثر من 3,000 درهم، بينما أصبح من الصعب جدًا العثور على شقة في وسط المدينة بأقل من 2,200 درهم.
تطور أسعار البيع وآفاق عام 2030
ارتفعت أسعار العقارات في طنجة بنسبة 5% إلى 8% في عام 2024، ومن المتوقع أن تتسارع هذه الزيادة في عام 2025 لتصل إلى 10% في بعض الأحياء الاستراتيجية. ويُعتبر الاستثمار العقاري في طنجة حاليًا من بين الأكثر أمانًا وربحية في المغرب، بفضل البنية التحتية الحديثة والاتصال بقطار السرعة العالية (TGV).
الاستفادة من تجربة كأس إفريقيا للتحضير لكأس العالم 2030
تمثل استضافة كأس إفريقيا للأمم 2025 اختبارًا شاملاً للمغرب لقياس جاهزية جميع القطاعات لأكبر حدث عالمي في عام 2030.
الأمن والتعاون الدولي: شهادة مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)
أحد أبرز علامات نجاح المغرب هو الاهتمام الدولي بنموذجه الأمني. في يناير 2026، استقبل المغرب وفدًا رفيع المستوى من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) لمراجعة بروتوكول الأمن المعتمد أثناء المنافسة. أشاد الوفد بدقة الإجراءات، واستخدام التقنيات الحديثة مثل الطائرات بدون طيار والكاميرات عالية الدقة، بالإضافة إلى التنسيق الرقمي بين مراكز القيادة. تعزز هذه التعاون ثقة المؤسسات الدولية وتمهد الطريق لكأس العالم 2030.
الأثر الاقتصادي والنمو الكلي للاقتصاد
ستكون استضافة كأس العالم حملة إعلانية عالمية لمدة 40 يومًا للمغرب، مما يزيد من قيمة "العلامة الوطنية" للبلاد. من المتوقع أن تزيد هذه الأحداث من الناتج المحلي الإجمالي وتحفز الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI). أعلن المغرب عن خطة استثمارية بقيمة 42 مليار درهم لتحديث البنية التحتية، بهدف تحقيق نمو اقتصادي شامل ومستدام.
تجربة قطر 2022 ملهمة: حافظت البلاد على نمو مستقر للناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.5٪ على مدار عقد من التحضيرات. يطمح المغرب إلى تحقيق نتائج مماثلة من خلال استثمارات محسوبة.
| مقارنة استثمارات كأس العالم | المغرب (2030) | إسبانيا (2030) | البرتغال (2030) |
| خطة الاستثمار المعلنة | 4.4 مليار دولار (42 مليار درهم) | استثمارات ضخمة في الملاعب (مثل: سانتياغو برنابيو) | استثمارات تكاملية وتحديث |
| الأثر المالي المتوقع | 1.2 مليار دولار مكاسب إضافية | أكثر من 5 مليارات يورو أرباح | حوالي 800 مليون يورو |
| التركيز الاستراتيجي | البنية التحتية، الملاعب الجديدة، القطار فائق السرعة (TGV) | التحديث لزيادة العائد السياحي | تحديث الموجود لتعزيز السياحة |
الرؤية المستقبلية: المغرب بحلول عام 2030
تتجاوز الفوائد التي يجنيها المغرب من كأس إفريقيا وكأس العالم البعد الرياضي لتساعد في بناء "المغرب الجديد" بمرافق ذات معايير عالمية وجاذبية تنافس الدول الأوروبية. طنجة، بوصفها بوابة إفريقيا ونقطة التقاء مع أوروبا، تجسد هذه الطموح.
التوصيات الاستراتيجية :
للمستثمرين العقاريين: ركز على المناطق التي تتمتع باتصال لوجستي قوي (قربها من القطار فائق السرعة وخطوط الترام المستقبلية) لضمان أفضل عائد.
للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة: استفد من برامج الترقية الرقمية والخدمات لتلبية المعايير الدولية المطلوبة من قبل الفيفا.
للسلطات المحلية: من الضروري تعزيز الرقابة على سوق الإيجارات لمنع المضاربات التي قد تضر بالاستقرار الاجتماعي للسكان.
في الختام، يُعدّ المسار من كأس إفريقيا 2025 إلى كأس العالم 2030 رحلة لتحديث الدولة المغربية، مما يعزز ثقتها على المستوى العالمي كفاعل دولي قادر على كتابة التاريخ الرياضي والاقتصادي.